المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده

521 مشاهدة


 

” الخطبة الأولى “

إن الحمد لله , نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا , من يهد الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فيا معاشر المسلمين , اتقوا الله في السرِ والعلن , قال الله جل وعلا :

(سورة آل عمران :102).

معاشر المسلمين

ثبتَ من حديثِ عن عبدِالله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال:

” المسلمُ من َسلِمَ المسلمون من لسانهِ ويدهِ، والمهاجرُ من هجرَ ما نهى اللهُ عنه”رواه الشيخان .

وثبت من حديث أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قالوا: يا رسول الله ، أيُ الإسلامِ أفضل؟

“من سَلِمَ المسلمون من لسانهِ ويده”.

فالمسلمُ الحقيقي هو الذي تظهر عليه آثارُ الإسلام وشعائرهُ وأماراتُه، هو الذي يكفُ أذى لسانِه ويدهِ عن المسلمين، فلا يصل إلى المسلمين منه إلا الخيرَ والمعروف.

عباد الله , لما كان التعدي على الناسِ غالباً إنما يكون بالقولِ ، أو الفعلِ أخبر النبيُأن المسلمَ حقاً هو الذي يَسلمُ المسلمون من لسانهِ ويدهِ ، وعبرَ النبيُ باللسانِ عن القولِ ؛ لأن اللسانَ هو آلةُ الكلام ، وعبرَ باليدِ عن الفعلِ لأنها آلتَه غالباً ؛ فالمسلمُ الكامل هو الذي يحفظُ لسانَه عن التعدي على إخوانهِ المسلمين ، بغيبةٍ أو نميمةٍ ، أو سِبابٍ، أو شتم ، أو دعوة كاذبة، أو نحوِ ذلك من العُدوانِ القولي .

ويحفظُ جوارحَه من ظلمِ إخوانهِ المسلمين بقتلٍ، أو ضربٍ ، أو سرقةٍ ، أو خيانةٍ ، أو نحوِ ذلك من العُدوانِ الفعلي .

ولقد ثبت من حديث عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه – أن النبيقال-:

” لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ “( رواه الترمذي).

فمن صفاتِ المؤمنِ الكاملِ , أنه ليس بطعانٍ في اعراضِ الناسِ , وانسابهمِ , أو في اشكالهمِ وهيئاتهمِ وأعمالهمِ.

عباد الله , ومن صفات المؤمن الكامل أنه ليس بلعان , فالإكثارُ من اللعنِ مذمومٌ ؛ فلقد روى الترمذي (2019) عَنْ عبدالله ابْنِ عُمَر رضي الله عنهما أنه قَالَ : 

( لا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا ).

وقد أخبرَ النبيُ أن كثرةَ اللعنِ من أسبابِ دخول النارِ ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ : 

( يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ! فَقُلْنَ : وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ) الحديث … , رواه البخاري ومسلم .

عباد الله , وثبت من حديث ابي هريرة – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ :

( لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا) (رواه مسلم) .

وروى مسلم ايضا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ – رضي الله عنه – قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ :

( إِنَّ اللَّعَّانِينَ لا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَة)ِ

فهذه الاحاديثُ كلُها تدلُ على عظيمِ وخطيرِ أمرِ اللعنِ في الاسلامِ , فالواجبُ على المسلمِ الحريص على المراتبِ العالية من الصديقيةِ والشهادةِ والشفاعةِ يوم القيامةِ ان يبتعدَ عن اللعنِ , ويحرصَ ان لا يفوت على نفسهِ هذه المنازل العالية والرُتبِ العظيمة.

قال النووي رحمه الله عند شرحه لحديثِ تحريم اللعن :

” لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقِ أَنْ يَكُون لَعَّانًا ولا يكون اللعانون شُهَدَاءَ وَلا شُفَعَاءَ يَوْم الْقِيَامَة “

قال -رحمه الله- :

( فِيهِ الزَّجْرُ عَنْ اللَّعْن ، وَأَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لا يَكُون فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَة)

 

عباد الله , فالدُّعَاء باللعنِ ليس مِنْ أَخْلَاقِ أهلِ الايمان , فالمؤمنُ رحيمٌ بإخوانهِ , كما قال الله تعالى في وصفِ أهلِ الإيمان :

(سورة الفتح : 29)

 

والمؤمنُ متعاونٌ مع إخوانهِ عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى , كما ارشدَهم اللهُ لذلك وحثَهم على ذلك , فقال جل وعلا:

(سورة المائدة: 2)

والمؤمنُ مع أخيهِ المؤمن كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضًا ، وَ الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ، فَمَنْ دَعَا عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِم بِاللَّعْنَةِ ، وَهِيَ الإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى , فَهُوَ مِنْ نِهَايَة الْمُقَاطَعَة وَالتَّدَابُرِ عياذاً بالله.

 

عباد الله , وفي واقعِ المسلمين اليوم قد ترى الرجلَ محافظاً على أداءِ الصلوات في وقتها ومع جماعة المسلمين، وقد تراه يؤدى حقَ اللهِ في مالهِ فيدفعُ الزكاةَ المفروضة، وقد يزيدُ عليها بالصدقاتِ المستحبة , وقد تراه مُعواناً للناسِ يسعى في قضاءِ حوائجهم ، وقد تراه من حجاجِ بيتِ اللهِ الحرام وعُمّاره ، ولكن مع هذا الخيرِ كلِه قد تراه لا يحكمُ لسانَه ولا يَملكُ زمامَه ، فينفلتُ منه لسانُه فيقعُ في أعراضِ الناس ويمزقُ لحومَهم!!

فلا يستطيعُ أن يملكَ لسانَه عن السبِ والشتمِ واللعنِ والغيبةِ والنميمة عياذاً بالله .

فأحذروا معاشر المسلمين هذه الاخلاقَ الذميمة , وألتزموا شريعةَ الاسلام عقيدةً وعبادةً واخلاقاً.

اقولُ قولي هذا واستغفرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فأستغفروه إن الله هو الغفورُ الرحيم .

” الخطبة الثانية “

الحمدُ لله على إحسانهِ، والشكرُ له على توفيقهِ وامتنانهِ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهدُ أن نبينا محمداً عبدهُ ورسولهُ الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين:

اما بعد:

فيا عباد الله , وفي قول النبي :

“والمهاجرُ من هجرَ ما نهى اللهُ عنه”

معناه أن الهجرةَ المطلوبة من كلِ مسلمٍ هي تركُ وهجرُ المعاصي والسيئات التي نهى اللهُ عنها , ونهى عنها رسولُه .

 والهجرةُ تطلقُ على أمرين:

الأول: هجرةُ المكان.

 والثاني: هجرة الحال.

 فالهجرةُ المكانية: هي الإنتقالُ من دارِ الكفر التي يغلبُ الكفرُ على أهلهِا وعلى أحكامِها وعلى حكامِها، ولا يستطيعُ الإنسانُ فيها أن يقيمَ شعائرَ دينهِ، ولا يأمن فيها على دينهِ ونفسهِ وعرضهِ. 

أما الهجرةُ الثانية : فهي هجرةُ الحال ، وقد فسرها النبيُ في هذا الحديث:

“والمهاجرُ من هجرَ ما نهى الله عنه”

فالهجرةُ بهذا المعنى أن يهجرَ المسلمُ السيئات والمعاصي ، وأن ينتقلَ من حالِ المعصيةِ ، إلى حالٍ آخر , وهو حالُ الإقلاعِ عن المعاصي والذنوب ، وحالُ القربِ من الله والوقوفِ عند حدوده.

عباد الله , ومتى أقدمَ المسلمُ على شيء من المعاصي كان ذلك نقصاً في إسلامهِ ، وضعفاً في إيمانهِ ، وتَعَرَّضَ بذلك لمقتِ الله – سبحانه – وبُعدهِ من رحمته ؛ فالواجبُ على المسلمِ أن يحاسبَ نفسَه دائماً، وأن يجاهدَ نفسَه على فعلِ المأمورات وتركِ المنهيات ؛ حتى تخضعَ لأداءِ الواجب وتركِ المحرم ، ويكون هذا الخضوعُ سجيةً لها.

 

أيها المؤمنون , ومتى صدقَ العبدُ في محاسبةِ نفسه ، وجهادهِ لها , أعانهُ اللهُ عليها , كما قال- عز وجل- :

(سورة الطلاق: 4)

وقال تعالى:

(سورة العنكبوت: 69)

ولا ريب أن الجهادَ للنفسِ من أهمِ خصال التقوى التي أمرَ اللهُ بها عبادَه ، ومن أعظمِ أسبابِ النجاة , كما قال الله سبحانه :

(سورة الطلاق: 5)

وقال تعالى :

(سورة الأنفال: 29)

 

عباد الله , ومتى ألتزمَ المسلمون هذا الأصلَ العظيم وتركَوا أذيةَ اخوانهِم بلسانهِم أو بيديهم , وأقبلوا على ربهِم وتركوا وهجروا الذنوبَ والسيئات صار المجتمعُ المسلمُ مجتمعاً آمناً ملتزماً بشرائع الإسلام , فالإسلامُ هو دينُ الله الذي شرعَه لعبادهِ ، ورضيهِ لهم ، وبعثَ به رسلَه ، وأنزلَ به كتبَه , فهو دينُ الفضائلِ والسعادةِ والفلاحِ والجمالِ والكمال , قال تعالى:

(سورة المائدة: 3)

اللهم انا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى , اللهم أصلح أحوال المسلمين , اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين ,  أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين  , اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه , اللهم اجعل عمله في رضاك وتقواك , اللهم وفق وانصر جنود الاسلام على الثغور في الحدود الجنوبية , اللهم كن لهم معيناً ونصيراً ومؤيداً وظهيراً.

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ أسامة بن سعود العمري © 2019
Made By Wisyst.com